المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تهافت علاقة التعليم الديني بالإرهاب"


محمد العمراني
05-Apr-2007, 09:27 PM
الخميس 5 أبريل 2007م، 17 ربيع الأول 1428 هـ ( العربية نت )

شاكر النابلسي

-1-
تتابعت في العالم العربي وفي الغرب كذلك، بعد كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001، موجات إثر موجات من التحليلات لظاهرة الإرهاب في العالم العربي المسلم. وكعادتنا في سرعة تبني الأسباب الظاهرة دون الباطنة، انصبّت معظم هذه التحليلات على دور مناهج التعليم الديني في انتشار ظاهرة الإرهاب، وخاصة تلك النصوص الدينية المؤدلجة، التي تحضُّ على كراهية الآخر والعداء له، والتي يجري التركيز عليها وتلقينها للناشئة. ونعني بذلك - مثالاً لا حصراً - مقولة "الولاء والبراء" التي أُقحمت في المناهج الدينية في بعض الدول العربية وخاصة تلك التي سيطر فيها الإخوان المسلمون على مرافق التربية والتعليم والإعلام. وكان "الولاء" يعني لدين الإسلام وحده، و"البراء" من الأديان الأخرى. بل كان يعني دائرة أكثر ضيقاً من هذه، في بعض المناهج الدينية لدول الخليج خاصة. إذ كان يعني تفسيراً معيناً، ومنهاجاً معيناً لنصوص الدين، دون النظر أو الاعتراف بالتفاسير والمناهج الأخرى المنتشرة في طول العالم الإسلامي وعرضه.
فلماذا اعتبرنا دور المناهج الدينية دوراً ربما يكون وهمياً ومتهافتاً، في انتشار الإرهاب في ربع القرن الماضي (1981-2005) وبدءاً من اغتيال الرئيس السادات 1981 إلى الآن ؟
وهل كان دور المناهج الدينية، سبباً رئيسياً في انتشار الإرهاب على هذا النحو الذي نراه الآن، ونتجرع كؤوسه؟

محمد العمراني
05-Apr-2007, 09:28 PM
-2-
لقد كنتُ أنا في الماضي واحداً من معتنقي هذا الرأي، لكي نبرر به أعمال الإرهاب الشريرة. وقد كتبت في كتابي (محامي الشيطان: دراسة في فكر العفيف الأخضر)، ما ملخصه أن الأبجدية العربية تبدأ في هذا الزمان بـ (كَ فَ رَ: كَفَرَ). وقلتُ:
لا شك، أن أنظمة التعليم المتخلفة في العالم العربي، وفي دول الخليج على وجه الخصوص، كانت من الأسباب الرئيسية لانطلاق الإرهاب، فهي التي ربّت الإرهابيين على تكفير الآخر، ومحاربة الآخر، وكراهية الآخر، وعداء الآخر.
وقلتُ كذلك:
لا شك، أن المناهج التعليمية العربية، التي كانت متخلفة في الخمسينات والستينات، بسبب تركيزها الأساسي على المواد الدينية التحفيظية والتلقينية، وعدم تركيزها على العلوم الطبيعية، والرياضيات، والاقتصاد، والفلسفة، والمنطق، والفنون، وعلوم الأديان المقارنة، وعدم اهتمامها بتدريس اللغات الأجنبية، كانت من أسباب وجود تربة صالحة، ومجارٍ طافحة، صالحة لتربية بعوض الإرهاب، الذي يتكاثر في مثل هذه البيئة.
وهذا الحكم أطلقه أيضاً الغرب على مناهجنا الدينية، لكي يصيب أعداء الإسلام في الغرب (القس بات روبرتسون مثالاً) مقتلاً من الإسلام كدين من ناحية، ولكي يبرر الغرب لنفسه أسباب الإرهاب، ويُبعد سبب مظالمه السياسية والاقتصادية للعالم العربي على مدار القرن العشرين كواحد من أسباب الإرهاب المنتشر الآن بقوة، ومنذ ربع قرن مضى.

محمد العمراني
05-Apr-2007, 09:29 PM
3-
في ظننا وزعمنا، أن دور المناهج الدينية والمتشددة منها، لم يكن دوراً رئيسياً في رفع وتيرة الإرهاب في ربع القرن الأخير وإلى الآن، وحجتنا في ذلك تتلخص فيما يلي:
1- أن هذه المناهج الدينية، التي يتحدثون عنها الآن، كانت في أساسها وأفكارها الأولى موجودة منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولعل النظر في كتب التدريس الدينية المعتمدة في الجامع الأزهر، يبين لنا قِدَمَ هذه المناهج. ومن قرأ "الأيام" لطه حسين، وما كان يجده من عناء في التعلم قبل وبعد دخوله الأزهر، يدرك مدى وطأة التعليم الديني على تشكيل شخصية الطلبة. وتتابعت المدارس الدينية في العالم العربي، وبقيت المناهج الدينية على حالها، بل ربما ازدادت سوءاً وتخلفاً. ولكنها رغم ذلك لم تثمر موجات الإرهاب التي نراها في هذه الأيام.
فهل كانت شجرة الإرهاب بحاجة إلى كل هذه السنوات لكي تطرح هذه الثمار المُرّة والقاتلة؟
2- أن التعليم الديني في إسرائيل، مليء بالنصوص التي تعادي العرب. ورغم ذلك لم تنتج هذه النصوص إرهابا إسرائيليا ضد العرب يماثل الإرهاب العربي ضد الآخرين. ففي دراسة أجريت على 380 كتاباً في المناهج التعليمية الإسرائيلية، أُلحِقت بالعرب المهن التالية:
لصوص (42 كتاباً)، مخرّبون ( 36 كتاباً)، قناصون وقتلة ( 27 كتاباً)، مختطفو طائرات (31 كتاباً)، مغتصبو أملاك (41 كتاباً)، يحرقون الحقول والأشجار (17 كتاباً)، أعمال قاسية دون تحديد (181 كتاباً).
كما أثبت البروفيسور كوهين، في بحثه المنشور بالعبرية تحت عنوان: (بانيم مخوعارت بمرآة، يعني: أي وجه قبيح في المرآة)، أنه في تحليله لمضامين ألف كتاب عبري، تظهر صورة العربي في شكل قاتل، أو مختطف للأطفال، وأن هذه الصورة مستقرة لدى 75 بالمئة من أطفال المدارس الابتدائية الإسرائيلية.
وفلسفة التعليم الصهيوني بُنيتْ أصلاً على تلقين التراث الديني اليهودي، وإفهام الطلاب أنّ الحضارة البشرية هي نتاج مشترك بجهود الشعب اليهودي. وقد عبرّ الكاتب اليهودي موشيه مينوحين عن الرّوح التي تبثّها المدارس اليهودية قائلاً:
"منذ سنوات دراستنا الأولى، كنا نتلّقى يومياً خُطباً لا تنتهي عن واجباتنا المقدّسة نحو أمتنا وبلادنا وأرض آبائنا، وكانت قلوبنا الفتية تمتلئ بالقول، إنّ أرض آبائنا يجب أن تخلص لنا نظيفة من الكفّار العرب، وإنّه يجب أن تسخّر حياتنا لخدمة أرض آبائنا وللقتال من أجلها".
3- من الباحثين من يركز على أثر الفكر الديني الوهابي، وعلى دوره في رفع وتيرة الإرهاب على هذا النحو الذي نراه الآن. في حين الوهابية كانت موجودة منذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وكانت تعاليمها وخطابها الديني في ذلك الوقت، متطابقاً مع الواقع الديني والاجتماعي والثقافي للجزيرة العربية خاصة والعالم العربي عامة، في ظل الحكم العثماني في ذلك الوقت، ورغم هذا لم يظهر الإرهاب على هذه الصورة التي نراها الآن. بل إن التعاليم الدينية الوهابية لم تكن ذات بال بالنسبة للصراع العربي- الإسرائيلي في الثلاثينات من القرن العشرين. فلا عز الدين القسام، ولا عبد الرحيم محمود، ولا الشيخ أديب السراج، ولا الشيخ موسى البديري، ولا فوزي القاوقجي، ولا الحاج أمين الحسيني كانوا وهابيين، أو يعتنقون أي خطاب وهابي فيما يتعلق بالجهاد. كذلك فلا علاقة لحماس أو "الجهاد الإسلامي" أو أي تنظيم ديني مسلح في فلسطين بالوهابية وخطابها. فهذه الجماعات لم تخرج من عباءة الوهابية، بل خرجت من عباءة الإخوان المسلمين، التي مارست الإرهاب السياسي المسلح في الأربعينات والخمسينات، عندما شكلت "التنظيم السري في الأربعينات" واغتالت بواسطته رئيس وزراء مصر أحمد ماهر باشا في 1945، والقاضي أحمد الخازندار واللواء سليم زكي والنقراشي باشا في 1948، ومحاولة اغتيال عبد الناصر في 1954. وقامت الجماعات الإسلاموية التي خرجت من عباءة الإخوان المسلمين، باغتيال وزير الأوقاف الشيخ حسن الذهبي عام 1977، واغتيال فرج فودة عام 1992، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، وإقامة المذبحة الكبرى في 1997 ضد السياح الأجانب. بل إن أكثر البيانات الرسمية المعادية للآخر، صدرت عن جماعة الإخوان المسلمين، ومنها بيان مرشد الإخوان المسلمين السابق مصطفى مشهور في 1997 من ضرورة اعتبار الأقباط (أكثر من 12 مليوناً) في مصر أهل ذمة، وفرض الجزية عليهم، وتسريحهم من القوات المسلحة المصرية. وللحديث صلة.

*نقلا عن جريدة "الوطن" السعودية