ابو فيصل
11-Mar-2007, 03:47 PM
http://www.hmc.org.qa/hmc/health/31th/images/chawi.jpg
منذ القدم، شعر الإنسان أن حاسة اللمس من خلال الجلد، تحتل أكبر مساحة في جسمه، وهي من أهم الحواس التي تفصل ما بينه وبين محيطه الخارجي، وعندما عرفت فوائد الكي، وتبلورت العلاقة ما بين المحتوى الداخلي والخارجي للجسم، راح الإنسان يستخدم هذه الوسيلة لعلاج بعض الأمراض بطرق أولية، تعتمد على مبدأ تسخين الحديد بالنار لدرجة الاحمرار، ومن ثم كي الجروح لقطع النزيف الدموي، أو كي المناطق المريضة، وذلك حسب نوعها ومكانها ودرجتها.
ومع تقدم الزمن وتطور العلم والطب الحديث، تطورت أدوات ووسائل الكي، وتنوعت مجالات استخدامه، وظهرت الكهرباء بدل النار، وعرفت أشعة الليزر كإنجاز علمي كبير، يساعد في كي أصغر المساحات في الجسم كافة والتي، تعجز عنها الوسائل الأخرى.
الكي في الماضي
قبل آلاف السنين، كان الكي معروفاً لدى معظم الحضارات البشرية القديمة، حيث استخدمته الحضارة الإغريقية والرومانية والهندية، كوسيلة من وسائل علاج بعض الأمراض المتنوعة، كما اعتمدت عليه الحضارة الصينية لبناء نظريتها المتمثلة بالعلاج عن طريق الوخز بالإبر، والتي أهملها الطب الصيني لفترة طويلة من الزمن، ثم عادت وانتشرت مرة أخرى بعد قيام الثورة.
وقديماً قال -هيبوقراط- أشهر أطباء اليونان في عصره آنذاك: والذي توفي عام 277 ق.م: "بأن الأمراض إذا كانت لا تشفيها الأدوية، فالجراحة علاجها، وإذا لم تفد فيها الجراحة، فالنار علاجها، وإذا لم تستطع النار علاجها، فهي غير قابلة للشفاء".
كما أن تعاليم الطبيب اليوناني -جالينوس- الذي عاش في روما من 201-130ق.م، كان لها الأثر الكبير في موضوع قطع النزيف الدموي بالكي، وقد ظل الأطباء القدامى يعملون بتعاليم -جالينوس- لمدة خمسة عشر قرناً، حتى جاء الجراح الفرنسي -باري- "1510-1590"م، فدعا إلى ربط الوعاء الدموي المقطوع بدلاً من كيه، ثم عادت مسألة استخدام الكي مرة أخرى على يد الجراح الأمريكي -كوشينج- 1854-1934م، حيث اعتمد على الكي مجدداً، ولاسيما في قطع نزيف الأوعية الدموية الدقيقة
الكي عند العرب
ومثلما اهتمت الحضارات البشرية بالكي منذ القدم، كذلك اهتم به العرب قبل الإسلام اهتماماً كبيراً، وقد غالى سكان البادية في هذا الموضوع كثيراً حتى أنهم كانوا يعتمدون على الكي، ليس لإيقاف النزيف في الأوعية الدموية المقطوعة فحسب، بل في معظم الأمراض التي كانت تصيبها، وذلك إلى جانب اهتمامهم "بالفصد" والمعالجة بالنباتات الطبية المتنوعة، وعند بزوغ فجر الإسلام سمح النبي صلى الله عليه وسلم [ بالكي كدواء إذا ما وافق الداء -أي كان له استطباب علمي- وقد جاء في صحيح البخاري: عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم[ أنه قال: الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي.
كذلك ثبت في الصحيح -من حديث جابر بن عبدالله: »أن النبي صلى الله عليه وسلم [ بعث إلى أُبي ابن كعب طبيباً فقطع له عرقاً، وكواه عليه »كما أن سعد بن معاذ عندما رمى في أكحله ذات مرة، حسمه النبي [ ثم ورمت فحسمت ثانية، والحسم هو الكي.
وفي هذا يقول الخطابي : أن النبي صلى الله عليه وسلم [ : »إنما كوى سعداً ليرقأ الدم من جرحه، وقد خاف عليه أن ينزف فيهلك«، والكي مستعمل في هذا الباب، كما يكوى من تقطع يده أو رجله، وأما النهي عنه فهو : أن يكتوى المرء طلباً للشفاء، وقد كانوا سابقاً يعتقدون أن المرء إذا لم يكتو هلك، فنهاهم النبي [ لأجل هذه النية، وقوله صلوات الله وسلامه عليه: »وأنا أنهى أمتي عن الكي«، وفي حديث آخر »وما أحب أن أكتوي« إشارة إلى تأخير العلاج بالكي، حتى تدفع الضرورة إليه، ولا يعجل التداوي به، لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي.
وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم [ أن يعيد الناس نظرتهم في استعمالات الطرق الشعبية في علاج أمراضهم، فنبه إلى أن الدواء يشفي بإذن الله إذا وافق الداء، وأن الاكتواء دون استطباب علمي يعتبر تعلقاً بالأوهام، وهو مناف للتوكل على الله.
الخلاصة:
وصفوة القول، إن النظرية الطبية العربية، أي »المعالجة بالكي« تعتبر آخر مرحلة من مراحل العلاج والأمر يجب أن لا يقتصر على التفاخر والتباهي بهذه النظرية فحسب، بل على دراسة فائدتها وفكرها الطبي، والاعتماد بشكل مطلق على الأحاديث التي وردت عن النبي الأعظم [ في هذا الخصوص، وعن الصحابة كافة »رضوان الله عليهم«، بما في ذلك التعمق في دراسة جميع المعلومات الواردة في كتب ورسائل أطباء العرب القدامى في هذا المجال، ومعرفة كيفية الاستفادة منها في موضوع العلاج بالكي، وذلك وفق أسس ومعطيات العلم والطب الحديث، بهدف اكتشاف معلومات جديدة، وطرائق علاجية حديثة تفيد البشرية.
المصدر: مجلة الصحة
منذ القدم، شعر الإنسان أن حاسة اللمس من خلال الجلد، تحتل أكبر مساحة في جسمه، وهي من أهم الحواس التي تفصل ما بينه وبين محيطه الخارجي، وعندما عرفت فوائد الكي، وتبلورت العلاقة ما بين المحتوى الداخلي والخارجي للجسم، راح الإنسان يستخدم هذه الوسيلة لعلاج بعض الأمراض بطرق أولية، تعتمد على مبدأ تسخين الحديد بالنار لدرجة الاحمرار، ومن ثم كي الجروح لقطع النزيف الدموي، أو كي المناطق المريضة، وذلك حسب نوعها ومكانها ودرجتها.
ومع تقدم الزمن وتطور العلم والطب الحديث، تطورت أدوات ووسائل الكي، وتنوعت مجالات استخدامه، وظهرت الكهرباء بدل النار، وعرفت أشعة الليزر كإنجاز علمي كبير، يساعد في كي أصغر المساحات في الجسم كافة والتي، تعجز عنها الوسائل الأخرى.
الكي في الماضي
قبل آلاف السنين، كان الكي معروفاً لدى معظم الحضارات البشرية القديمة، حيث استخدمته الحضارة الإغريقية والرومانية والهندية، كوسيلة من وسائل علاج بعض الأمراض المتنوعة، كما اعتمدت عليه الحضارة الصينية لبناء نظريتها المتمثلة بالعلاج عن طريق الوخز بالإبر، والتي أهملها الطب الصيني لفترة طويلة من الزمن، ثم عادت وانتشرت مرة أخرى بعد قيام الثورة.
وقديماً قال -هيبوقراط- أشهر أطباء اليونان في عصره آنذاك: والذي توفي عام 277 ق.م: "بأن الأمراض إذا كانت لا تشفيها الأدوية، فالجراحة علاجها، وإذا لم تفد فيها الجراحة، فالنار علاجها، وإذا لم تستطع النار علاجها، فهي غير قابلة للشفاء".
كما أن تعاليم الطبيب اليوناني -جالينوس- الذي عاش في روما من 201-130ق.م، كان لها الأثر الكبير في موضوع قطع النزيف الدموي بالكي، وقد ظل الأطباء القدامى يعملون بتعاليم -جالينوس- لمدة خمسة عشر قرناً، حتى جاء الجراح الفرنسي -باري- "1510-1590"م، فدعا إلى ربط الوعاء الدموي المقطوع بدلاً من كيه، ثم عادت مسألة استخدام الكي مرة أخرى على يد الجراح الأمريكي -كوشينج- 1854-1934م، حيث اعتمد على الكي مجدداً، ولاسيما في قطع نزيف الأوعية الدموية الدقيقة
الكي عند العرب
ومثلما اهتمت الحضارات البشرية بالكي منذ القدم، كذلك اهتم به العرب قبل الإسلام اهتماماً كبيراً، وقد غالى سكان البادية في هذا الموضوع كثيراً حتى أنهم كانوا يعتمدون على الكي، ليس لإيقاف النزيف في الأوعية الدموية المقطوعة فحسب، بل في معظم الأمراض التي كانت تصيبها، وذلك إلى جانب اهتمامهم "بالفصد" والمعالجة بالنباتات الطبية المتنوعة، وعند بزوغ فجر الإسلام سمح النبي صلى الله عليه وسلم [ بالكي كدواء إذا ما وافق الداء -أي كان له استطباب علمي- وقد جاء في صحيح البخاري: عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم[ أنه قال: الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي.
كذلك ثبت في الصحيح -من حديث جابر بن عبدالله: »أن النبي صلى الله عليه وسلم [ بعث إلى أُبي ابن كعب طبيباً فقطع له عرقاً، وكواه عليه »كما أن سعد بن معاذ عندما رمى في أكحله ذات مرة، حسمه النبي [ ثم ورمت فحسمت ثانية، والحسم هو الكي.
وفي هذا يقول الخطابي : أن النبي صلى الله عليه وسلم [ : »إنما كوى سعداً ليرقأ الدم من جرحه، وقد خاف عليه أن ينزف فيهلك«، والكي مستعمل في هذا الباب، كما يكوى من تقطع يده أو رجله، وأما النهي عنه فهو : أن يكتوى المرء طلباً للشفاء، وقد كانوا سابقاً يعتقدون أن المرء إذا لم يكتو هلك، فنهاهم النبي [ لأجل هذه النية، وقوله صلوات الله وسلامه عليه: »وأنا أنهى أمتي عن الكي«، وفي حديث آخر »وما أحب أن أكتوي« إشارة إلى تأخير العلاج بالكي، حتى تدفع الضرورة إليه، ولا يعجل التداوي به، لما فيه من استعجال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي.
وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم [ أن يعيد الناس نظرتهم في استعمالات الطرق الشعبية في علاج أمراضهم، فنبه إلى أن الدواء يشفي بإذن الله إذا وافق الداء، وأن الاكتواء دون استطباب علمي يعتبر تعلقاً بالأوهام، وهو مناف للتوكل على الله.
الخلاصة:
وصفوة القول، إن النظرية الطبية العربية، أي »المعالجة بالكي« تعتبر آخر مرحلة من مراحل العلاج والأمر يجب أن لا يقتصر على التفاخر والتباهي بهذه النظرية فحسب، بل على دراسة فائدتها وفكرها الطبي، والاعتماد بشكل مطلق على الأحاديث التي وردت عن النبي الأعظم [ في هذا الخصوص، وعن الصحابة كافة »رضوان الله عليهم«، بما في ذلك التعمق في دراسة جميع المعلومات الواردة في كتب ورسائل أطباء العرب القدامى في هذا المجال، ومعرفة كيفية الاستفادة منها في موضوع العلاج بالكي، وذلك وفق أسس ومعطيات العلم والطب الحديث، بهدف اكتشاف معلومات جديدة، وطرائق علاجية حديثة تفيد البشرية.
المصدر: مجلة الصحة