محمد العمراني
11-Jun-2007, 09:55 AM
الإثنين 25 جمادى الأولى 1428هـ - 11 يونيو2007م
http://www.4zz.net/up/uploads/9484e3f214.jpg (http://www.4zz.net/up)
محمود المبارك
الخبر الذي نشرته صحيفة "الحياة" على صدر صفحتها الأولى قبل يومين، حول "تعسف" السلطات الأمريكية في التعامل مع الطلبة السعوديين الذين يدرسون في الولايات المتحدة، يثير مخاوف قانونية جديرة بالاهتمام. إذ يكشف الخبر نتيجة استطلاع، أجراه معهد أبحاث سياسة الشرق الأوسط - وهو مؤسسة عرفت بصدقيتها - حول أوضاع الطلبة السعوديين الذين يدرسون في الولايات المتحدة، ويتعرضون للمضايقات والإهانات المستمرة من جانب السلطات الأمريكية.
وبحسب هذا التقرير، تبدأ معاناة السعوديين منذ التقدم لأخذ تأشيرة الدخول، إذ يتعرضون للإهانة المقصودة حين يصطفون في صفوف تصل إلى مئة متر، ويتعرضون لتفتيش دقيق و "تحقيق" كامل من جانب المسؤولين في القنصليات الأمريكية، في معاملة وصفتها مصادر إعلامية بأنها "غير إنسانية"، إذ يقول التقرير الأمريكي إن السعوديين يعاملون على أنهم "متهمون" و "مشتبه بهم".
وقد يطلب من المتقدم للتأشيرة إحضار أفراد أسرته للتأكد من سلامة نيته. ونشرت الصحف السعودية الصيف الماضي خبر اصابة فتاة سعودية بالاغماء عند بوابة قنصلية الولايات المتحدة في جدة بعد تعرضها لضربة شمس نتيجة الانتظار الطويل. ويبدو التحيز واضحاً ضد الطلبة السعوديين، فحتى في حال اجتياز المتقدمين مرحلة المقابلة الشخصية، فإنهم لا يُمنحون إلا تأشيرة تغطي ثلث مدة الدراسة المطلوبة، في حين يُمنح مواطنو قطر ولبنان والكويت والأردن وعمان والمغرب والبحرين وتونس ومصر وموريتانيا تأشيرة تغطي مدة الدراسة كاملة. وبحسب تصنيف الخارجية الأمريكية للدول، فإن تأشيرة السعوديين تقع في قائمة واحدة مع العراقيين والسوريين والصوماليين والليبيين.
وغالباً ما تشمل أسئلة "التحقيق" من جانب مسؤولي السفارات الأمريكية، استفسارات شخصية وأخرى "سخيفة" بحسب إفادة المتقدمين، قد يكون القصد منها تنفيرهم من الذهاب الى الولايات المتحدة.
وتتواصل المضايقات للسعوديين عند دخولهم منافذ الولايات المتحدة، خصوصاً الشرقية منها، إذ بحسب تقرير المعهد الأمريكي، يتعرض 70 في المئة من السعوديين القادمين الى الولايات المتحدة للاحتجاز أو الاستجواب لساعات طويلة من جانب سلطات الجمارك والهجرة، قد تصل إلى ثماني ساعات، إذ غالباً ما يتسبب ذلك في تأخرهم عن الالتحاق بالرحلات الداخلية التي توصلهم الى المدن التي يقصدونها، وغني عن القول ما يتبع ذلك من تعب نفسي وجسدي، إضافة إلى الكلفة المادية المترتبة على ذلك.
ولعل أكثر ما يقلق الشاب السعودي الذي اختار الحصول على شهادة علمية عالية من الجامعات الأمريكية المرموقة، هو شعوره أنه "تحت هاجس الترحيل في أي وقت"، كما عبّر عن ذلك طالب سعودي يتابع دراسته في الولايات المتحدة. فالغياب عن بعض المحاضرات قد يكون سبباً لدائرة الهجرة الأمريكية في ترحيل من تشاء، وأي مخالفة مرورية ولو صغيرة قد تكون سبباً كذلك، بل حتى الخروج من ولاية إلى أخرى - إذا لم يصاحبه إشعار مسبق للمباحث الفيديرالية - فقد يتسبب لصاحبه بأذى، وهو أمر غير معهود في السابق، وخاصة ان الطلبة السعوديين يتعرضون له من دون غيرهم.
إضافةً إلى ذلك، عبر عدد من الطلبة السعوديين - الذين يجاوز عددهم عشرة آلاف طالب - عن المضايقات التي يتعرضون لها من المنصِّرين الذين يتعمدون جرهم الى نقاشات طويلة عن الأديان. وقد عبر خمس الذين شملهم الاستطلاع عن خوفهم من تعرضهم للحقد الديني، في حين عبر 13 في المئة منهم عن تخوفهم من تعرضهم لاعتداء جنسي إذا غادروا الحرم الجامعي.
يأتي هذا الاستطلاع في الوقت الذي لا يزال السعوديون ينظرون بعين الريبة نحو العدالة الأمريكية تجاههم بعد الحكم الجائر الذي صدر على شاب سعودي في مرحلته الأخيرة من دراسة الدكتوراه، إذ حكم عليه بالسجن لمدة 28 عاماً، بتهمة بدا واضحاً الآن أنها كانت ملفقة من أساسها. وقبل ذلك بعامين، كانت سلطات ولاية آيداهو قبضت على شاب سعودي آخر في مرحلته الأخيرة من الدكتوراه - كان قد حقق إنجازات علمية باهرة في تخصصه الدقيق - ووجهت له تهمة الإرهاب. وعلى رغم أنه تمت تبرئته، إلا إنه عاد إلى بلاده من دون أن يحصل على شهادة الدكتوراه.
وقبل أشهر عدة ألقت شرطة ولاية فلوريدا القبض على شابين سعوديين لم يتجاوز عمراهما الثامنة عشرة، كانا استقلا حافلة بطريق الخطأ، بعد أن أبلغ سائق الحافلة عن وجود شابين غريبين يتحدثان اللغة العربية ويضحكان! وعلى رغم عدم وجود ما يدعو إلى إبقائهما في السجن، إلا ان القاضي الذي نظر في القضية أمر بحبسهما لمدة أسبوع على ذمة التحقيق، وفرض مبلغ 250 ألف دولار لإخلاء سبيل أي منهما.
وفي كانون الثاني (يناير) الماضي، قامت المباحث الفيديرالية الأمريكية بمداهمة سكن طلاب دراسات عليا سعوديين مبتعثين من دون معرفة أسباب ذلك. وتم تفتيش دقيق لسكن كل منهم، بطريقة لا شك أنها تؤثر سلباً على تحصيلهم الدراسي، وتجعلهم أكثر نفوراً.
ولعل تضافر هذه القضايا التي لم تعد قضايا فرديةً منعزلةً، يثير سؤالاً حول ما إذا كانت هناك سياسة أميركية غير مكتوبة تجاه الطلبة السعوديين في الولايات المتحدة! الأمر الذي يدعو الحكومة السعودية إلى اتخاذ موقف جاد من التعامل غير العادل تجاه رعاياها وأبنائها. فكما أن الحكومة الأمريكية لا تقبل التنازل عن حقوق مواطنيها في أي مكان، فإن الحكومة السعودية لن تتنازل عن حقوق مواطنيها لأجل مجاملة الأصدقاء في واشنطن.
ومعلوم أن الحكومة الأمريكية ستستجيب للرغبة السعودية الجادة، إذ إنها تقدر تعاملها مع السعودية لحاجتها الماسة إليها. فواشنطن بحاجة إلى الرياض كحاجة الرياض اليها إن لم تكن أكثر. والمواقف التي وقفتها الحكومة السعودية إلى جانب الولايات المتحدة أكثر من أن تحصى في مقال كهذا. وغني عن القول انه لولا السياسة السعودية النفطية - التي لم تؤدِ الولايات المتحدة حق شكرها - لكانت واشنطن تدفع اليوم ما يزيد على 150 دولاراً، لسعر برميل النفط.
والمملكة العربية السعودية بصفتها حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، تستحق معاملة أكثر رفقاً بمواطنيها. ومن هذا الباب، فإنه لا يعيب الحكومة السعودية أن ترفع صوتها للمطالبة بمنح الرعايا السعوديين ما يستحقونه من رعاية وعناية. فقد يكون من حق الولايات المتحدة أن تأخذ حذرها، لأجل درء أعمال عنف مستقبلية على أراضيها. ولكن ما ليس حقاً للولايات المتحدة هو أن تخص السعوديين بالتعسف في قوانينها، الذي ينم عن سوء النية لديها.
إن التعسف في مفهوم القانون هو "استخدام الحق بقصد الإضرار بالآخرين". وبالتالي، فإن اتخاذ الولايات المتحدة كل هذه الإجراءات ضد السعوديين من دون غيرهم، بحجة الخوف من تكرار أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، أمر لم يعد مقبولاً عند السعوديين، لأن فيه إجحافاً لهم.
*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية
http://www.4zz.net/up/uploads/9484e3f214.jpg (http://www.4zz.net/up)
محمود المبارك
الخبر الذي نشرته صحيفة "الحياة" على صدر صفحتها الأولى قبل يومين، حول "تعسف" السلطات الأمريكية في التعامل مع الطلبة السعوديين الذين يدرسون في الولايات المتحدة، يثير مخاوف قانونية جديرة بالاهتمام. إذ يكشف الخبر نتيجة استطلاع، أجراه معهد أبحاث سياسة الشرق الأوسط - وهو مؤسسة عرفت بصدقيتها - حول أوضاع الطلبة السعوديين الذين يدرسون في الولايات المتحدة، ويتعرضون للمضايقات والإهانات المستمرة من جانب السلطات الأمريكية.
وبحسب هذا التقرير، تبدأ معاناة السعوديين منذ التقدم لأخذ تأشيرة الدخول، إذ يتعرضون للإهانة المقصودة حين يصطفون في صفوف تصل إلى مئة متر، ويتعرضون لتفتيش دقيق و "تحقيق" كامل من جانب المسؤولين في القنصليات الأمريكية، في معاملة وصفتها مصادر إعلامية بأنها "غير إنسانية"، إذ يقول التقرير الأمريكي إن السعوديين يعاملون على أنهم "متهمون" و "مشتبه بهم".
وقد يطلب من المتقدم للتأشيرة إحضار أفراد أسرته للتأكد من سلامة نيته. ونشرت الصحف السعودية الصيف الماضي خبر اصابة فتاة سعودية بالاغماء عند بوابة قنصلية الولايات المتحدة في جدة بعد تعرضها لضربة شمس نتيجة الانتظار الطويل. ويبدو التحيز واضحاً ضد الطلبة السعوديين، فحتى في حال اجتياز المتقدمين مرحلة المقابلة الشخصية، فإنهم لا يُمنحون إلا تأشيرة تغطي ثلث مدة الدراسة المطلوبة، في حين يُمنح مواطنو قطر ولبنان والكويت والأردن وعمان والمغرب والبحرين وتونس ومصر وموريتانيا تأشيرة تغطي مدة الدراسة كاملة. وبحسب تصنيف الخارجية الأمريكية للدول، فإن تأشيرة السعوديين تقع في قائمة واحدة مع العراقيين والسوريين والصوماليين والليبيين.
وغالباً ما تشمل أسئلة "التحقيق" من جانب مسؤولي السفارات الأمريكية، استفسارات شخصية وأخرى "سخيفة" بحسب إفادة المتقدمين، قد يكون القصد منها تنفيرهم من الذهاب الى الولايات المتحدة.
وتتواصل المضايقات للسعوديين عند دخولهم منافذ الولايات المتحدة، خصوصاً الشرقية منها، إذ بحسب تقرير المعهد الأمريكي، يتعرض 70 في المئة من السعوديين القادمين الى الولايات المتحدة للاحتجاز أو الاستجواب لساعات طويلة من جانب سلطات الجمارك والهجرة، قد تصل إلى ثماني ساعات، إذ غالباً ما يتسبب ذلك في تأخرهم عن الالتحاق بالرحلات الداخلية التي توصلهم الى المدن التي يقصدونها، وغني عن القول ما يتبع ذلك من تعب نفسي وجسدي، إضافة إلى الكلفة المادية المترتبة على ذلك.
ولعل أكثر ما يقلق الشاب السعودي الذي اختار الحصول على شهادة علمية عالية من الجامعات الأمريكية المرموقة، هو شعوره أنه "تحت هاجس الترحيل في أي وقت"، كما عبّر عن ذلك طالب سعودي يتابع دراسته في الولايات المتحدة. فالغياب عن بعض المحاضرات قد يكون سبباً لدائرة الهجرة الأمريكية في ترحيل من تشاء، وأي مخالفة مرورية ولو صغيرة قد تكون سبباً كذلك، بل حتى الخروج من ولاية إلى أخرى - إذا لم يصاحبه إشعار مسبق للمباحث الفيديرالية - فقد يتسبب لصاحبه بأذى، وهو أمر غير معهود في السابق، وخاصة ان الطلبة السعوديين يتعرضون له من دون غيرهم.
إضافةً إلى ذلك، عبر عدد من الطلبة السعوديين - الذين يجاوز عددهم عشرة آلاف طالب - عن المضايقات التي يتعرضون لها من المنصِّرين الذين يتعمدون جرهم الى نقاشات طويلة عن الأديان. وقد عبر خمس الذين شملهم الاستطلاع عن خوفهم من تعرضهم للحقد الديني، في حين عبر 13 في المئة منهم عن تخوفهم من تعرضهم لاعتداء جنسي إذا غادروا الحرم الجامعي.
يأتي هذا الاستطلاع في الوقت الذي لا يزال السعوديون ينظرون بعين الريبة نحو العدالة الأمريكية تجاههم بعد الحكم الجائر الذي صدر على شاب سعودي في مرحلته الأخيرة من دراسة الدكتوراه، إذ حكم عليه بالسجن لمدة 28 عاماً، بتهمة بدا واضحاً الآن أنها كانت ملفقة من أساسها. وقبل ذلك بعامين، كانت سلطات ولاية آيداهو قبضت على شاب سعودي آخر في مرحلته الأخيرة من الدكتوراه - كان قد حقق إنجازات علمية باهرة في تخصصه الدقيق - ووجهت له تهمة الإرهاب. وعلى رغم أنه تمت تبرئته، إلا إنه عاد إلى بلاده من دون أن يحصل على شهادة الدكتوراه.
وقبل أشهر عدة ألقت شرطة ولاية فلوريدا القبض على شابين سعوديين لم يتجاوز عمراهما الثامنة عشرة، كانا استقلا حافلة بطريق الخطأ، بعد أن أبلغ سائق الحافلة عن وجود شابين غريبين يتحدثان اللغة العربية ويضحكان! وعلى رغم عدم وجود ما يدعو إلى إبقائهما في السجن، إلا ان القاضي الذي نظر في القضية أمر بحبسهما لمدة أسبوع على ذمة التحقيق، وفرض مبلغ 250 ألف دولار لإخلاء سبيل أي منهما.
وفي كانون الثاني (يناير) الماضي، قامت المباحث الفيديرالية الأمريكية بمداهمة سكن طلاب دراسات عليا سعوديين مبتعثين من دون معرفة أسباب ذلك. وتم تفتيش دقيق لسكن كل منهم، بطريقة لا شك أنها تؤثر سلباً على تحصيلهم الدراسي، وتجعلهم أكثر نفوراً.
ولعل تضافر هذه القضايا التي لم تعد قضايا فرديةً منعزلةً، يثير سؤالاً حول ما إذا كانت هناك سياسة أميركية غير مكتوبة تجاه الطلبة السعوديين في الولايات المتحدة! الأمر الذي يدعو الحكومة السعودية إلى اتخاذ موقف جاد من التعامل غير العادل تجاه رعاياها وأبنائها. فكما أن الحكومة الأمريكية لا تقبل التنازل عن حقوق مواطنيها في أي مكان، فإن الحكومة السعودية لن تتنازل عن حقوق مواطنيها لأجل مجاملة الأصدقاء في واشنطن.
ومعلوم أن الحكومة الأمريكية ستستجيب للرغبة السعودية الجادة، إذ إنها تقدر تعاملها مع السعودية لحاجتها الماسة إليها. فواشنطن بحاجة إلى الرياض كحاجة الرياض اليها إن لم تكن أكثر. والمواقف التي وقفتها الحكومة السعودية إلى جانب الولايات المتحدة أكثر من أن تحصى في مقال كهذا. وغني عن القول انه لولا السياسة السعودية النفطية - التي لم تؤدِ الولايات المتحدة حق شكرها - لكانت واشنطن تدفع اليوم ما يزيد على 150 دولاراً، لسعر برميل النفط.
والمملكة العربية السعودية بصفتها حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، تستحق معاملة أكثر رفقاً بمواطنيها. ومن هذا الباب، فإنه لا يعيب الحكومة السعودية أن ترفع صوتها للمطالبة بمنح الرعايا السعوديين ما يستحقونه من رعاية وعناية. فقد يكون من حق الولايات المتحدة أن تأخذ حذرها، لأجل درء أعمال عنف مستقبلية على أراضيها. ولكن ما ليس حقاً للولايات المتحدة هو أن تخص السعوديين بالتعسف في قوانينها، الذي ينم عن سوء النية لديها.
إن التعسف في مفهوم القانون هو "استخدام الحق بقصد الإضرار بالآخرين". وبالتالي، فإن اتخاذ الولايات المتحدة كل هذه الإجراءات ضد السعوديين من دون غيرهم، بحجة الخوف من تكرار أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، أمر لم يعد مقبولاً عند السعوديين، لأن فيه إجحافاً لهم.
*نقلاً عن صحيفة "الحياة" اللندنية